الشنقيطي

287

أضواء البيان

فلا يخطر في ذهنه التشبيه الذي هو سبب نفي الصفة وتأويلها بمعنى لا أصل له . تنبيه مهم فإن قيل دل الكتاب والسنة وإجماع السلف على أن الله وصف نفسه بصفة اليدين كقوله تعالى : * ( مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ ) * . وقوله تعالى : * ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) * وقوله تعالى : * ( وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالاٌّ رْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ) * . والأحاديث الدالة على مثل ما دلت عليه الآيات المذكورة كثيرة ، كما هو معلوم ، وأجمع المسلمون على أنه جل وعلا ، لا يجوز أن يوصف بصفة الأيدي مع أنه تعالى قال * ( أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ) * فلم أجمع المسلمون على تقديم آية لما خلقت بيدي على آية مما عملت أيدينا ؟ فالجواب : أنه لا خلاف بين أهل اللسان العربي ولا بين المسلمين أن صيغ الجموع تأتي لمعنيين أحدهما إرادة التعظيم فقط ، فلا يدخل في صيغة الجمع تعدد أصلاً ، لأن صيغة الجمع المراد بها التعظيم ، إنما يراد بها واحد . والثاني أن يراد بصيغة الجمع معنى الجمع المعروف ، وإذا علمت ذلك ، فاعلم أن القرآن العظيم . يكثر فيه جداً إطلاق الله جل وعلا ، على نفسه صيغة الجمع ، يريد بذلك تعظيم نفسه ، ولا يريد بذلك تعدداً ولا أن معه غيره ، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً ، كقوله تعالى * ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) * . فصيغة الجمع في قوله : * ( إِنَّا ) * وفي قوله : * ( نَحْنُ ) * وفي قوله : * ( نَزَّلْنَا ) * وقوله : * ( لَحَافِظُونَ ) * لا يراد بها أن معه منزلاً للذكر ، وحافظاً له غيره تعالى . بل هو وحده المنزل له والحافظ له ، وكذلك قوله تعالى : * ( أَفَرَءَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ أَءَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الْخَالِقُونَ ) * وقوله * ( أَءَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ ) * . وقوله : * ( أَءَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ ) * ، ونحو هذا كثير في القرآن جداً ، وبه تعلم أن صيغة الجمع في قوله : * ( إِنَّا ) * . وفي قوله : ( خلقنا ) وفي قوله : * ( عَمِلَتْ أَيْدِينَآ ) * إنما يراد بها التعظيم ، ولا يراد بها التعدد أصلاً .